السيد محمدحسين الطباطبائي

169

تفسير البيان في الموافقة بين الحديث والقرآن

الفاهم معنى ، وللمتدّبر معنى ، وللعالم معنى ، ولذي اللبّ معنى . وقال تعالى في التأويل : وَالْكِتابِ الْمُبِينِ * إِنَّا جَعَلْناهُ قُرْآناً عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ * وَإِنَّهُ فِي أُمِّ الْكِتابِ لَدَيْنا لَعَلِيٌّ حَكِيمٌ ، « 1 » فبيّن أنّه جعله عربيّا مقروءا ليعقله الناس ، وإلّا فهو في اللوح عال عن التلبّس بلباس اللغة ، محكم لا يتطرّق إليه التفرّق والشتات ، كما قال : كِتابٌ أُحْكِمَتْ آياتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ ، « 2 » وقال سبحانه : « وَقُرْآناً فَرَقْناهُ » ، على قراءة التشديد ، لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلى مُكْثٍ وَنَزَّلْناهُ تَنْزِيلًا ، « 3 » وقال : فَإِنَّما يَسَّرْناهُ بِلِسانِكَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ ، « 4 » فهذه مرتبة من القرآن في أفق فهم الناس ، وتلك مرتبة أعلى أفقا من أن تناله أيدي الأفهام العادية ، موطنها اللوح المحفوظ والكتاب المكنون عن غير المطهّرين ، قال سبحانه : بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَجِيدٌ * فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ ، « 5 » وقال : فَلا أُقْسِمُ بِمَواقِعِ النُّجُومِ * وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ * إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ * فِي كِتابٍ مَكْنُونٍ * لا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ ، « 6 » ثمّ إنّه سبحانه قال : وَالْكِتابِ الْمُبِينِ * إِنَّا أَنْزَلْناهُ فِي لَيْلَةٍ مُبارَكَةٍ إِنَّا كُنَّا مُنْذِرِينَ ، « 7 » وهذه المرتبة التي أخبر عنها أخفض سطحا ممّا ذكره بقوله : وَإِنَّهُ فِي أُمِّ الْكِتابِ لَدَيْنا ، « 8 » وأرفع مكانا ممّا ذكره بقوله تعالى : وَقُرْآناً فَرَقْناهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ

--> ( 1 ) . الزخرف ( 43 ) : 2 - 4 . ( 2 ) . هود ( 11 ) : 1 . ( 3 ) . الإسراء ( 17 ) : 106 . ( 4 ) . الدخان ( 44 ) : 58 . ( 5 ) . البروج ( 85 ) : 21 - 22 . ( 6 ) . الواقعة ( 56 ) : 75 - 79 . ( 7 ) . الدخان ( 44 ) : 2 - 3 . ( 8 ) . الزخرف ( 43 ) : 4 .